محمد بن جرير الطبري
214
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها * وأوردها على عوج طوال يعني بقوله : وأحوذ جانبيها : غلبها وقهرها حتى حاذ كلا جانبيها فلم يشذ منها شيء . وكان القياس في قوله : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أن يأتي استحاذ عليهم ، لأن الواو إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن ، جعلت العرب حركتها في فاء الفعل قبلها ، وحولوها ألفا متبعة حركة ما قبلها ، كقولهم : استحال هذا الشيء عما كان عليه من حال يحول ، واستنار فلان بنور الله من النور ، واستعاذ بالله من عاذ يعوذ . وربما تركوا ذلك على أصله ، كما قال لبيد : " وأحوذ " ، ولم يقل : " وأحاذ " ، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ . وأما قوله : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فلا خلاف بينهم في أن معناه : ولن يجعل الله للكافرين يومئذ على المؤمنين سبيلا . ذكر الخبر عمن قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن ذر ، عن نسيع الحضرمي ، قال : كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون ؟ قال له علي : أدنه ثم قال : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا يوم القيامة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأعمش ، عن ذر ، عن نسيع الكندي في قوله : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ، فقال : كيف هذه الآية : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فقال علي : ادنه فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا . حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن ذر ، عن نسيع الحضرمي ، عن علي بنحوه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا غندر ، عن شعبة ، قال : سمعت سليمان يحدث عن ذر ، عن رجل ، عن علي رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قال : في الآخرة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا يوم القيامة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قال : ذاك يوم القيامة . وأما السبيل في هذا الموضع فالحجة . كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قال : حجة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ قد دللنا فيما مضى قبل على معنى خداع المنافق ربه ووجه خداع الله إياهم ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، مع اختلاف المختلفين في ذلك . فتأويل ذلك : إن المنافقين يخادعون الله بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم ، والله خادعهم بما حكم فيهم من منع دمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان ، مع علمه بباطن ضمائرهم ، واعتقادهم الكفر ، استدراجا منه لهم في الدنيا حتى يلقوه في الآخرة ، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نار جهنم . كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ قال : يعطيهم يوم القيامة نورا يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا ، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه ، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بالسور . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : إِنَّ